محمد بن عبد الله الصفار
75
رحلة الصفار إلى فرنسا
يعيشها السلطان وحاشيته ، وتحركه في موكبه من مكان إلى آخر . فقد يستقرون بعض الأحيان في أحد القصور السلطانية ، وتكون الخيام أحيانا أخرى مأوى لهم ومقاما . ومقابل ذلك ، كان الموظف المخزني العامل بداخل البلاط يحقق بعض المكاسب . إذ يجد نفسه في غنى عن تحمل أعباء مصاريف حياته اليومية على جميع المستويات ، من مسكن وطعام وكسوة . وفي عهد السلطان مولاي عبد الرحمن ، لم يكن كبار موظفي البلاط السلطاني يتقاضون أي رواتب أو أجور محددة . فكانوا من الناحية النظرية ، مرتبطين مباشرة في كل حاجياتهم بشخص السلطان الذي يمكن أن ينعم عليهم بدور للسكنى أو بقطع أرضية يستغلونها فلاحيا ، وأيضا بالكسوة وحتى بمقادير مالية في بعض الأحيان . لكنهم في الواقع ، يستغلون سلطتهم المستمدة من مكانتهم كعاملين في خدمة البلاط ، فيكونون ثرواتهم الشخصية . وبصفة عامة ، فقد كان كبار موظفي المخزن يحيون دائما في بحبوحة من العيش ، وينعمون باليسر والرفاهية ، بل وحتى ببعض مظاهر الترف « 1 » . ولو كان لدى المرء حرية الاختيار ، لكان من الصعب عليه جدا مقاومة جاذبية الحياة داخل البلاط . وما حدث لمحمد الصفار ، هو أنه لم تتح له فرصة لتحديد اختياره ؛ إذ أصبح محروما من حماية راعيه بالأمس في تطوان عبد القادر أشعاش ، ودب إليه اليأس والاكتئاب من جراء المدة التي قضاها محبوسا بحرم الزاوية ، فلم يبق أمامه سوى الارتماء في أحضان الخدمة المخزنية داخل القصر السلطاني . وعاش الصفار طوال الثلاثين سنة اللاحقة منغمسا إلى أقصى الحدود في الوسط المخزني المركزي القريب جدا من شخص السلطان ، فما لبثت فردانيته أن انصهرت في بوتقة النسيج المخزني العريض ، ليصبح جزءا لا يمكن فصله عن مكوناته وارتبطت حياته
--> ( 1 ) تتضمن المراجع التالية وصفا للحياة بداخل البلاط السلطاني خلال القرن التاسع عشر : E . Aubin , pseud , ( Le ? on Descos ) , Morocco of To - day ( London , 1906 ) , ch . 12 ; E . Michaux - Bellaire , " Au palais du sultan marocain " , RMM 5 , 8 ( aout 1908 ) : 647 - 662 ; وللمؤلف نفسه مادة المخزن « مخزن » في » El l , s . v . " Makhzen " . وأهم ما صدر في هذا الباب باللغة العربية ، كتاب عبد الرحمن ابن زيدان ، العز والصولة في معالم نظم الدولة ، في جزئين ، ( الرباط ، 1929 - 1933 ) ، الجزء 1 .